الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

125

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وصاحب " المنار " ينقلون في تفاسيرهم عن المفسرين السابقين أن هذه الآيات قد نزلت بحق " النجاشي " صاحب الحبشة على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأتباعه ، وفي تفسير " البرهان " حديث يشرح هذا الموضوع شرحا وافيا . يمكن تلخيص الروايات الإسلامية والتواريخ وأقوال المفسرين بهذا الخصوص في ما يلي : في السنوات الأولى من بعثة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ودعوته العامة كان المسلمون أقلية ضعيفة ، وكانت قريش قد تواصت أن تضيق الخناق على مواليها وأتباعها الذين يؤمنون برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وعلى هذا فقد أصبح كل مسلم واقعا تحت ضغط عشيرته وقومه يومئذ لم يكن عدد المسلمين يكفي للقيام بجهاد تحرري . ولكي يحافظ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على حياة هذه الجماعة القليلة ، ويهيئ قاعدة للمسلمين خارج الحجاز ، اختار لهم الحبشة وأمرهم بالهجرة إليها قائلا : " إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فأخرجوا إليه حتى يجعل الله عز وجل للمسلمين فرجا " . كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقصد النجاشي ( النجاشي اسم عام لجميع سلاطين الحبشة ، مثل كسرى لملوك إيران ، أما النجاشي المعاصر لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فهو ( أصحمة ) ، أي العطية والهبة بلغة الأحباش ) . فهاجر أحد عشر رجلا وأربع نساء من المسلمين إلى الحبشة بحرا على ظهر سفينة صغيرة استأجروها ، كان ذلك في شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة ، وقد أطلق عليها اسم الهجرة الأولى . ولم يمض على ذلك وقت طويل حتى لحقهم جعفر بن أبي طالب وجمع من المسلمين ، فكانوا مع السابقين جمعا مؤلفا من 82 رجلا سوى النساء والصبيان ، وشكلت هذه المجموعة النواة الأولى للتجمع الإسلامي المنظم . كان لفكرة هذا الهجرة وقع شديد على عبدة الأصنام ، لأنهم أدركوا جيدا أنه